الشيخ محمد رشيد رضا

8

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

كفاه ( وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ) وان من شروط التوكل الصحيح في الامر القيام بكل ما أوجبه اللّه تعالى فيه من الأحكام الشرعية ، ومراعاة ما اقتضته حكمته فيه من الأسباب والسنن الكونية والاجتماعية . فمن يترك العمل بالأسباب فهو جاهل مغرور ، لا متوكل منصور ولا مأجور ، وقال النبي ( ص ) لمن سأله أيترك ناقته سائبة ويتوكل على اللّه تعالى « اعقلها وتوكل » رواه الترمذي وقال تعالى لرسوله بعد امره بمشاورة أصحابه في غزوة أحد ( فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ) وانما يكون العزم بعد الاخذ بالأسباب ومنها مظاهرته ( ص ) يومئذ بلبس درعين . وقد بينا ذلك مفصلا في مواضع من هذا التفسير « 1 » والخلاصة انه عليه السّلام بدأ جوابه للملأ من قومه بالتعجب من تهديدهم وانذارهم ، وإقامة الأدلة الدينية والعقلية على امتناع عودهم إلى ملة الكفر باختيارهم . وعدم استطاعة أحد على اجبارهم عليه غير اللّه تعالى الفعال لما يريد ، والاستدلال علي أن هذا مما لا يريده - وثنى ببيان توكلهم على اللّه تعالى الذي يكفي من توكل عليه ما أهمه وهو فوق كسبه واختياره ، فتجتمع له العناية الكسبية والوهبية - ثم ثلث بالدعاء الذي لا يكون شرعيا مرجوّ الإجابة الا بعد القيام بما في الطاقة من العمل الكسبى ، والتوكل القلبي ، فقال رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ المعنى لمادة ( الفتح ) كما حققه الراغب إزالة الاغلاق والاشكال ، وهو ضربان ( أحدهما ) ما يدرك بالبصر كفتح العين والقفل والغلق والمتاع من صندوق وغرارة وخرج وعلبة و ( الثاني ) هو ما يدرك بالبصيرة كفتح أبواب الرزق ، والمغلق من مسائل العلم ، والمبهم من قضايا الحكم ، والنصر في وقائع الحرب ، وفي آيات القرآن استعمالات من الضربين كليهما ، ولك ان تقسمه إلى حسي ومعنوي - ومن الأول الفتح الذي يكون بالكلام كحكم القاضي وفتح المأموم على الامام في الصلاة وهو أن يقرأ الآية التي أخطأ فيها أو وقف عن القراءة ناسيا لما بقي منها - وإلى حقيقي ومجازي ومن مجاز الأساس : فتح على فلان إذا جد وأقبلت عليه الدنيا ، وفتح اللّه عليه - نصره . . وفتح الحاكم بينهم ، وما أحسن فتاحته أي حكمه ، قال

--> ( 1 ) راجع كلمة التوكل في فهارس أجزائه ومن أوسعها ما في ص 307 - 314 ج 4